الأسئلة لن تنتهي حتي إذا انتهت إسرائيل نفسها من الوجود، وستنتهي كأي جسم غريب: تذوب وتتحلل، أو تموت و«تُصرَف» مع فضلات أجيال قادمة، أكثر علماً، وأكثر إيماناً بأن «الخيال» هو الأداة الوحيدة القادرة علي تعويض فقر الإمكانيات.
اعتبرني حالماً وساذجاً ورجعياً إذا أردت، وأنا من ناحيتي سأحيلك إلي صور مشرفة من هذه الحرب: كيف تخلص المصريون من الجسر الترابي.. ومن أين أتت فكرة الجسور العائمة؟ كيف تخلصوا من شبكة مواسير النابالم القابعة تحت سطح المياه.. وكيف انقضوا علي خط بارليف وخطفوه خطفاً؟ كيف حوّلوا دشم الإسرائيليين الحصينة إلي مقابر؟ وكيف اصطاد «عبد العاطي» بمفرده كل هذا العدد من دبابات إسرائيل؟
السجل المشرف لـ «الخيال المصري» في هذه الحرب أثقل كثيراً من كل ما تعارفنا عليه طوال ٣٥ سنة: صيحة «الله أكبر»، والرغبة في الثأر لبلد أخذ قلماً علي قفاه في ٦٧، وهو الذي في مقام عمدة المنطقة، والمراهنة علي غفلة العدو، وحشد ما تيسر من ضمانات سياسية إقليمية ودولية، والضغط بـ «جبهة داخلية» تمتد من «بلدنا ع الترعة بتغسل شعرها» إلي مظاهرات الطلبة في ١٩٧٢ .. كل هذا في كفة، و«قوة الخيال» في كفة أخري، وأكرر: هي الأثقل، ما دمنا نصّر علي وصف ما جري في أكتوبر ٧٣ بالـ «معجزة».
أعط المصريين خيالاً وارمهم في البحر وأنت تري:
من ٣٥ سنة عبروا قناة السويس بكل ما يختبئ تحت مياهها من نابالم، ويرابط علي شرقها من تراب وخرسانة. الآن.. يبيعون ذهبهم، وماشيتهم، وعرضهم الذي هو أرضهم، لأي أرزقي، ويفرون من بلدهم في قوارب صيد صدئة، ليموتوا مجانا في عرض البحر. ومن ينجو منهم يبسمل بـ «بيع» جنسيته في أول مرحاض عمومي في أول مدينة أوروبية تقابله، أو يعاد مُرغماً إلي ما دون موقعه القديم تحت خط الفقر.. فما الذي جري؟
من ٣٥ سنة ولسان حالنا يقول: أعط المصريين خيالاً وارمهم في البحر، فمن الذي بادر والتقط أول الخيط؟.. ممدوح إسماعيل، ابن النظام. شحن ممدوح إسماعيل المصريين في عبارة باسم «السلام»، كلمة الحق التي أصبحت طوال ٣٥ سنة غطاءً لنهبهم وإذلالهم وإهمالهم وتسميم خيالهم وإغراقهم في وعود ومباهج زائفة، ورماهم في البحر لتأكلهم أسماك القرش.
وقبل أن تهضمهم كان قد خرج من البلد مهرباً مثل «طرد ممنوعات»، وعاش في لندن، حيث خاض من هناك، وعلي مدي عامين تقريباً، معركة ضارية لـ «شراء» براءته. وقد كسبها بأقل من تكلفة «سهرة قمار»، لكن النظام الذي يمثله وينتمي إليه أضاف إلي ضحاياه ١٠٣٤ شهيداً لم يخوضوا حرباً ضد إسرائيل أو غيرها.. وتلك هي المأساة !
طوال ٣٥ سنة وأنا أسأل نفسي: لماذا خسرنا في معركة السلام أكثر مما خسرنا في حروبنا ضد إسرائيل ؟ لماذا تراجعنا في كل شيء: في الثقافة والسياسة والاقتصاد والعلم والأخلاق، وفي انتمائنا إلي بلدنا كمحصلة ؟ أين «قوة الخيال» التي صنعت معجزة العبور؟ من الذي يعطلها؟ أهي مؤامرة أمريكية صهيونية، بمشاركة أذناب وعملاء في الداخل، لتفريغ المصريين أولاً بأول من حسهم المبدع.. أم أن كبرياءهم من النوع الذي لا يحرك خيالاً إلا من «إسرائيل وطالع»؟
الأسئلة كثيرة، وهذه إجابة قد لا تعجبك: الرئيس السادات اعتبر حرب أكتوبر آخر الحروب، لكنه لم يقل إنها ـ أيضا ـ أولاها. نحن في الواقع لم نحارب من قبل، ولم نخض اختباراً عسكرياً نحاسب أنفسنا عليه. في ٤٨ كان المحارب المصري ضحية فساد نظامه الملكي.. سلاحاً وسياسة. وفي ٥٦ تحالفت علينا فلول قوي استعمارية تحتضر، وأنقذنا تناقض قطبي الحرب الباردة.
وفي ٦٧ أخذتنا إسرائيل غدراً في ست ساعات، بينما نحن «واقفين بنهندس ع المية». أما ٧٣ فكانت حربنا نحن، بقدر ما كانت أول وآخر اختبار حقيقي حتي الآن لشرعية نظام يوليو ١٩٥٢ ، كانت حصة عبدالناصر حرب استنزاف موجعة لإسرائيل، واكبتها معركة إعادة بناء صارمة.
واستكمل السادات بقرارين في آن واحد: أن يحارب.. وأن تكون تلك آخر الحروب. كان يريدها ورقة تفاوض تقوي موقفه السياسي، وهذا عرف وليس بدعة، لكنه أخطأ حين راهن علي أن إسرائيل ستكون «واحدة منا»، إذ نسي ـ أو ربما تناسي ـ أنها «دخلت من الشباك».
وهكذا تسلم الرئيس مبارك تركة ملعونة: كان مقاتلاً عندما مات عبدالناصر إكلينيكياً في ٦٧، وكان نائباً عندما مات السادات مغدوراً في ٨١ .. والنتيجة: لا حرب نموت فيها بشرف.. ولا سلام نعيش فيه آمنين.
هل فهمت لماذا لم يعد لدينا خيال؟!
كتبها محمود العزايزى في 11:35 صباحاً ::
